DrRudolph Article
مركز المعرفة
دراسات

خطة التنمية الاستراتيجية لتأسيس المجلس الوطني اللبناني للتسميات المحمية

د. رودولف القارح، نُشرت عام ٢٠٠٢

1. الإطار الاستراتيجي والضرورة الوطنية: من الإنتاج المجهول إلى التميز الهوياتي

يفرض السياق الراهن للتجارة الدولية، لا سيما في أعقاب اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي عام 2002، حتمية التحول الجذري في بنية الإنتاج الوطني. إن الانتقال من نمط "الإنتاج التقليدي غير المنظم" إلى منظومة "التسميات المحمية" ليس مجرد خيار تنظيمي، بل هو  آلية بقاء استراتيجية  وضرورة بنيوية لمواجهة ضغوط العولمة الإنتاجية.وفقاً لتقرير الدكتور "رودولف القارح"، يواجه لبنان "تحدياً مزدوجاً" في الفضاء الأورومتوسطي:

  1. تحدي الجودة: الالتزام بالمعايير التقنية الصارمة لضمان سلامة المنتج.
  2. تحدي الخصوصية:  إبراز "شخصية" المنتج المرتبطة بجغرافيا وتاريخ المكان. إن الاستمرار في "الإنتاج المجهول الهوية" يضع لبنان في منافسة سعرية خاسرة مع كبار المنتجين العالميين نظراً لمحدودية المساحة الجغرافية؛ لذا فإن التسميات المحمية تعمل كدرع واقٍ يحول صغر المساحة إلى "ميزة تخصصية" عبر الانتقال من المنافسة الكمية إلى المنافسة النوعية.

الأهداف الاستراتيجية الكبرى:

  • حماية التراث الوطني:  صون المعارف التقليدية كإرث وطني غير مادي لا يسقط بالتقادم.
  • ضمان الجودة والشفافية:  بناء نظام موثوقية يربط بين خصائص التربة (Terroir) والالتزام المهني.
  • تعظيم القدرة التنافسية للتصدير:  تحويل المنتجات اللبنانية إلى سلع نخبوية ذات قيمة مضافة عالية في الأسواق العالمية.ينطلق هذا المسار التحولي من عمق الذاكرة اللبنانية، محولاً المفاهيم الثقافية كـ "البلدي" و"البلاد" من مصطلحات شفهية إلى أصول قانونية واقتصادية محصنة.

2. المرتكزات المفاهيمية: مأسسة "البلدي" وتحويل الذاكرة إلى رأسمال ابتكاري

تقوم الفلسفة القانونية لهذا المشروع على اعتبار التسمية المحمية  "مرفقاً عاماً للاستخدام الخاص" (Bien public à usage privé) ؛ فالدولة تمتلك الاسم كجزء من السيادة الوطنية، لكنها تفوض حق استخدامه حصرياً لجماعة المنتجين الملتزمين بدفاتر الشروط.

تفكيك مفهوم "البلدي" و"البلاد"

يعتبر مصطلح  "البلدي" (Baladi)  المعادل اللبناني الصرف لمفهوم "Terroir"، حيث يعبر عن التفاعل العضوي بين العوامل الطبيعية (المناخ الصغير، التربة) والعوامل البشرية (الخبرة المتوارثة). أما مفهوم  "البلاد" (Bilad) ، فهو يمثل الوحدة الجغرافية ذات الهوية التاريخية المتجانسة، وهو الأساس العلمي لترسيم حدود التسميات.

مصفوفة التسميات (وفقاً للمعايير التقنية)

 

مستوى الحماية

الرمز

المعيار التقني الدقيق

المؤشر الجغرافي المحمي

IGP

يكفي أن تتم مرحلة واحدة على الأقل (إنتاج، تحويل، أو إعداد) داخل المنطقة الجغرافية المحددة.

تسمية المنشأ المحمية

AOP

يشترط أن تتم كافة مراحل الإنتاج والتحويل والإعداد بنسبة 100% داخل المنطقة الجغرافية المحددة.

تسمية المنشأ المراقبة

AOC

أعلى درجات الحماية؛ تمنح للمنتجات ذات الشهرة التاريخية المثبتة وتخضع لرقابة صارمة على الجودة والمنشأ معاً.

 

معهد ذاكرة المعارف: رأس مال للابتكار

لا يُقترح "معهد ذاكرة المعارف" ليكون متحفاً للتراث، بل ليكون  "رأسمال للابتكار" . إن توثيق "الذاكرة الشفهية" (خاصة لدى النساء اللواتي أدرن اقتصاد "المونة" تاريخياً) يهدف إلى أرشفة التقنيات التقليدية لضمان استمراريتها كقاعدة تنطلق منها الصناعات الحديثة لتقديم منتجات "متجذرة" ومبتكرة في آن واحد.

3. الهيكل المؤسسي: نهج عابر للتخصصات وحوكمة تشاركية

يتطلب نظام التسميات مرجعية مركزية تنسق بين الرؤية السيادية للدولة والمصلحة التجارية للمنتجين، مع التأكيد على أن تعريف التسمية ليس اختباراً مخبرياً فحسب، بل هو  عملية مسح تاريخي واجتماعي شاملة .الأدوار المؤسسية المقترحة:

  • التكامل الوزاري:  تعاون وزارات الاقتصاد والتجارة، الصناعة، والزراعة لوضع الأطر القانونية.
  • الدعم التقني والمواصفات:  دور محوري لمعهد البحوث الصناعية (IRI) ومؤسسة المقاييس والمواصفات (LIBNOR) في ضبط المعايير الفيزيائية والكيميائية.
  • الفريق متعدد التخصصات:  يشدد المخطط على ضرورة إشراك  الجغرافيين، المؤرخين، علماء الاجتماع، وخبراء الإثنوغرافيا  في لجان الترسيم لضمان صحة الرابط بين المنتج وتاريخ "البلاد".الهيكلية التنظيمية للجان الوطنية:
  1. اللجنة الوطنية للنبيذ والمقطرات:  (بناءً على تجربة الاتحاد الوطني للكرمة والنبيذ UVL).
  2. اللجنة الوطنية للمنتجات الغذائية:  (زيت الزيتون، الأجبان، العسل).
  3. لجنة المونة اللبنانية:  لحماية المنتجات المركبة والفريدة.جمعيات المنتجين (نقابات الدفاع):  تعتبر هذه الجمعيات "حارساً للهوية"؛ فهي المسؤولة عن صياغة  "دفاتر الشروط" (Cahier des Charges)  وممارسة "الرقابة الذاتية" لضمان عدم المساس بسمعة التسمية.

4. خارطة الطريق القطاعية: نماذج التطبيق ذات الأولوية

قطاع العرق: حماية الهوية الوطنية

يعتبر العرق اللبناني نموذجاً مثالياً للتسمية المحمية التي تجمع بين المادة الأولية (عنب البلاد) والتقنية المتفردة.عنصر التميز:  التقطير الثلاثي المتقطع في أوانٍ نحاسية واستخدام اليانسون البلدي حصراً هي معايير أساسية للارتقاء بالعرق إلى مرتبة  AOC .

قطاع زيت الزيتون: تحويل "البلاد" إلى علامات تجارية

تمتلك مناطق الكورة، حاصبيا، الشوف، وعكار مقومات "البلاد" ذات الخصائص الحسية الفريدة.عنصر التميز:  الربط بين نوع التربة والمناخ وبين "المعاصر التقليدية" داخل النطاق الجغرافي لخلق زيت يستحيل تقليده مخبرياً خارج بيئته.

قطاع المونة: تدويل "اقتصاد التدبير المنزلي"

المونة هي "تسمية منشأ" بالفطرة التاريخية، أدارتها المرأة اللبنانية بصرامة عالية. تبرز منتجات مثل  الأورمة (Awarma)، والأمباريس (Ambaris)، والكشك (Kishk)  كحالات تستحق الحماية الفورية.عنصر التميز:  تحويل المونة من استهلاك منزلي إلى "منتج محمي" يضمن تدويل نكهات مثل "شنكليش الكورة" كسلع فاخرة في الأسواق الدولية.

امتدادات قطاعية أخرى

  • الموز اللبناني:  مثل موز "أبو نقطة" في الدامور (نطاق جغرافي محدود وتربة رسوبية فريدة).
  • الحرف التقليدية:  إدراج "حرفيات جزين" (Jezzine Cutlery) كنموذج لحماية المنشأ الحرفي المرتبط بالهوية الجغرافية.

5. الأثر التنموي والاستدامة: الاستقرار الاجتماعي وتثبيت الجذور

إن نظام التسميات يتجاوز "ملصق الجودة" ليكون أداة للتنمية الريفية المتكاملة:

  • الاستقرار الاجتماعي:  رفع القيمة السوقية للمنتج الريفي يؤدي مباشرة إلى تحسين دخل المزارعين في المناطق النائية، مما يحد من النزوح ويحول القرى إلى مراكز اقتصادية منتجة.
  • سياحة التذوق (Gastronomic Tourism):  تعزيز صورة لبنان كوجهة للأصالة، حيث تصبح "بلاد الزيتون" أو "نطاق العرق" مسارات سياحية عالمية.
  • التمويل الذاتي المستدام:  يبدأ المشروع بدعم مؤقت من الاتحاد الأوروبي، لكنه يستهدف الوصول إلى تمويل ذاتي عبر رسوم رمزية يساهم بها المنتجون المستفيدون من حماية أسمائهم التجارية.

6. التوصيات التنفيذية والجدول الزمني

لتحويل هذه الرؤية إلى استراتيجية نشطة، يجب الانطلاق من المسار التنفيذي التالي:

  1. قرار التأسيس السياسي:  إصدار المرسوم التنظيمي للمجلس الوطني للتسميات المحمية بصلابة قانونية.
  2. المسح الوطني الشامل:  إطلاق ورشة عمل كبرى للجغرافيين والمؤرخين لتحديد حدود "البلاد" والمنتجات المؤهلة.
  3. صياغة دفاتر الشروط:  البدء بقطاعي النبيذ/العرق وزيت الزيتون كحالات رائدة للتطبيق الفوري.
  4. تفعيل معهد الذاكرة:  البدء الفوري بتسجيل المعارف الشفهية للمونة لمنع اندثارها.
  5. التدريب والرقابة:  تأهيل لجان الدفاع عن التسميات في المناطق لتمارس دور "الرقيب الذاتي".نداء للعمل:  إن الخطوة العاجلة المطلوبة هي عقد  "نداء وطني موسع" (Enlarged National Seminar)  يجمع الوزارات المعنية، جمعيات المنتجين، والخبراء الأكاديميين لوضع حجر الأساس لهذا المرفق العام. إن الوقت هو العدو الأول في ظل المنافسة الدولية؛ لذا يجب أن ننتقل فوراً من "الإنتاج العفوي" إلى "الاستراتيجية المحمية" لصون وجه لبنان الإنتاجي.